الرئيسية / وجوهٌ من بلدتي / الحاج محمد رمضان … الرجل الذي كان قلبه معلّقاً بالمساجد

الحاج محمد رمضان … الرجل الذي كان قلبه معلّقاً بالمساجد

darwish-ramadanوُلد الحاج محمد درويش رمضان العام 1918م ، وقد نشأ يتيماً إذ توفي والده ولما يبلغ السنتين من العمر ، فتعهدته والدته الحاجة خديجة الحاج علي عيد ، التي عملت بالخز والصوف لتربّي أولادها : خالد وعبد الله ومحمد وأميرة زوجة علي الجوزو ، والدة مفتي جبل لبنان الشيخ محمد علي الجوزو . نشأ نشأة دينية محافظة هو وأخوته ، بارّين بوالدتهم . وكان الحاج محمد يخرج فجر كل يوم وهو في مقتبل الشباب إلى جامع الآْمام علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه وهو دون العشرين من عمره لأداء تسابيح وأذكار الصباح ثم لأذان الفجر، حيث كان أهل المنطقة يثنون على جمال صوته ونداوته .

في صغره لم يدخل الحاج محمد مدرسة ، إلا أنه لمّا شبّ ونضج رغب إلى الشيخ محمد الغزال أن يجعل له ولأقرانه صفاً دراسياً لتعلّم القراءة والكتابة – محو الأميّة – ولمّا تعلّم أخذ  بحفظ القرآن الكريم ، وكان شيخه في الحفظ والتلقّي العلاّمة توفيق البابا شيخ القرّاء في أيامه حتى حفظه كاملاً ، ولازمه ملازمة شديدة .

عندما توفي الشيخ البابا فُتحت وصيته رحمه الله التي تبيّن أنه أوصى وعهد بتنفيذ وصيته للحاج محمد تلميذه النجيب.

في إحدى المكتبات البيروتية وقع نظره على مجلّة “الإسلام” التي كانت تصدر في القاهرة . فقرأ عن جمعية تُعنى بشؤون القرآن الكريم تعليماً وتلاوة وتجويداً وأحكاماً وتفسيراً ، إسمها “جمعية المحافظة على القرآن الكريم”، فتساءل: لِمَ لا يكون عندنا هنا في لبنان جمعية على غرار تلك التي في بلد الأزهر الشريف ؟ فحمل المشروع إلى الشيخ محمد علايا مفتي الجمهورية آنذاك وإلى الرجل الهمام العلاّمة أحمد العجوز وشيخ القرّاء حسن دمشقية عليهم رحمة الله . وبعد مداولات أبصرت الجمعية النور ، والتي يرأسها أيامنا هذه سماحة مفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ محمد رشيد قباني .

وكان يجمعه مع فضيلة الشيخ حسين عسيران ، محدث لبنان ، أخوة في الله منذ أول شبابهما ، فكانا يجتمعان على طاعته ويفترقان عليها ، من حضور مجالس العلم والذكر والصلاة على النبي.

وممن لازمهم من العلماء : الشيخ محمد العربي العزوزي المغربي ، العالم مختار العلايلي أمين الفتوى ، والشيخ هاشم الدفتر دار المدني ، والشيخ محمد سوبرة ، والشيخ محمد الفيومي ، وغيرهم من علماء عصره .

شغل الحاج محمد رمضان أوقاته كلها بالقرآن تاكريم قراءة وتعليماً ، فكان يدرس في جمعية المحافظة ، وفي مساجد بيروت ، وفي داره حيث يقول أبناؤه : إن درس القرآن الكريم لم ينقطع من بيت الحاج محمد طوال ستين عاماً .

تخرج على يديه نخبة من العلماء والعاة والأطباء والمهندسين وربات البيوت ، منهم أصحاب الفضيلة السادة : محمود عكاوي شيخ قراء بيروت ، وأميت الكردي أمين الشؤون الدينية في دار الفتوى ، وعثمان دياب ومحمد عبد الحليم وعبد القادر ترنيني وعلي بن مسعود ووليد معطي .

مطلع حياته كان يتردد على مساجد بيروت لقراءة القرآن قبل فريضة الجمعة ، ومرة بعد فراغه من أداء شعائرها وانقضاء الصلاة ، سلم عليه أحد الأثرياء الذي أخذ بحلاوة صوته واضعاً كفه بكفه ، فيه ليرات ذهبية ، فما كان من الحاج محمد رمضان إلا أن قلب كفه قائلاً للرجل : أطلب من الله ، ولا أطلب منك أكرمك الله . يقول رحمه الله : وعلى مدى شهر أو ـكثر فتح الله علي في العمل وكثر الطلب على أشغالي فرزقني ربي المال الوفير ( كان يعمل في مجال السنكرة ) . في صغره كان يغني أغاني محمد عبد الوهاب رحمه الله حتى يخال من يسمعه أنه عبد الوهاب عبر الأثير . ثم صرف جهده بعد ذلك الى القرآن الكريم والمدائح النبوية الشريفة والتسابيح والموالد ، وتعلم المقامات الموسيقسة على الشيخ توفيق البابا .

ولع الحاج محمد وهيامه ببناء المساجد وترميمها وتشييدها ، هو والشيخ أحمد العجوز رئيس جمعية بناء وترميم المساجد ، منها جامع الشهداء في بيروت وجامع الإمام علي والجامع العمري ما بين بر الياس وزحلة في البقاع وجامع قرية بعاصير الجديد وفي بلدة كفرزبد في البقاع ، وجامع النهرية في بر الياس .

المشرفون على وقف سيدي عبد القادر الجيلاني رضي الله عنه في بغداد سألوا عمن هو قلبه معلق بالمساجد وبنائها من رجالات لبنان فذكر لهم أسم الحاج محمد رمضان البرجاوي , فجاءته رسالة من متوليي أوقاف الجيلاني من بغداد السيدين يوسف عبد الله الكيلاني وسليم عبد الرحمن الكيلاني عام 1972 م تفوضه بالاشراف على الأوقاف التابعة لها في لبنان ، فوجد أن في بلدته برجا أرضاً موقوفة باسم طريقة العارف بالله عبد القادر الجيلاني فبني عليها المسجد الجيلاني الكائن بحارة العين مع نفر من صلحاء زمانه هم : الحاج سالم السيد وعبد العزيز معروف رمضان وغيرهم .

كان حبه لبلدته برجا الشوف شديداً وشغفه بالنهوض بوقفها كبيراً ، رأس لجنة الأوقاف فيها بقرار صادر عن سماحة مفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ محمد علايا في العام 1961 م .

كانت إيرادات الوقف في برجا عند تسلمه أمورها تصل إلى خمسة مئة ليرة لبنانية ، ما لبثت أن درت خمسة ألاف ليرة بعدما آلت أمور الوقف اليه . وفي جامع برجا الكبير ، الجامع الوحيد في برجا آنذاك عند رئاسته الوقف ، شرع بتحسينه وتجديده والإمساك بأموره وتنظيمه وترتيب شؤونه . والحق يقال : إن أوقاف برجا لم تزدهر وتنمو كما ازدهرت ونمت ونهضت في عهدة الحاج محمد درويش رمضان . كان رجل إعمار وبناء ، وتعليم وتربية ، وهمة وطموح ، وحركة دائبة ، لم تفتر عزيمته ، ولم يبال بالحاسدين والناقمين ، تجاوزهم جميعاً في الجامع وخارجه ، نعم لم تعرف برجا نظيراً له من قبل في ميدانه ، وما زال صوته يصدح من على مئذنة جامع برجا الكبير بالتسابيح والأذان يذكر الناس برجل عالي الهمة ، أخلص نيته لله ، ففتح الله عليه أعمالاً وصروحاً وذكراً فواحاً عند من يعرفون الفضل وأهله .

عندما  تقدم به العمر تفرغ في جامع الخاشجقي في محلة قصقص ببيروت مؤذناً ومقرئاً للقرآن الكريم من العام 1980 – 1982 ، ثم في جامع الخليفة عمر بن عبد العزيز في الطريق الجديدة بناء وترميماً وتحسينات ، ومدارسة لأحكام القرآن وتجويده ، من العام 1992 حتى وفاته.

لم تكن الدنيا تعني له شيئاً ، كان همه تعليم الناس القرآن الكريم ، يذكر أبنه الشيخ عمر أنه دعاه مرة لزيارته في دولة السويد لخمسة عشر يوماً فرد عليه : لمن أترك يا بني طلاب القرآن الكريم ، أأتركهم لشم الهواء ؟ .

في حجته الأخيرة عام 1420 هـ مرض مرضاً شديداً ، فأتم نسكه بمشقة ، وعاد إلى بيروت ، وظل صابراً على مرضه ، محتسباً أمره إلى الله حتى وافاه الأجل مساء السبت بعد صلاة العشاء في 9 رجب الخير  1421 هـ الموافق 7 تشرين الأول 2000م ، وأمّ الصلاة عليه سماحة مفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ محمد رشيد قباني في مسجد سيدنا الإمام علي في الطريق الجديدة بعد صلاة الظهر من اليوم التالي لوفاته ، وشيّع على الأكتاف إلى مقبرة الشهداء ببيروت حيث دفن .

عن إدارة الموقع

شاهد أيضاً

معرض ” بيروت على خط الأفق ” … نبيل سعد كنز الإبداع

في مظاهرة ثقافية حاشدة إفتتح وزير الداخلية والبلديات نهاد المشنوق بصحبة محافظ بيروت زياد شبيب …

6 تعليقات

  1. علي محمد الجوزو

    جزاكم الله خيراً عن أهل برجا الطيبة

    لقد بررتم بأهل الله في برجا

    أما عن شيخنا الشيخ محمد رمضان رحمه الله فلا ننسى له فضله عندما كان يستضيفنا في بيته لنتدارس علوم القران والتجويد، ثم قرأنا عليه في مسجد الخاشقجي، ثم رأينا في مقرأة مسجد عمر بن عبد العزيز في بيروت. عرفناه بصوت الندي الذي لا يزال يسمع على مآذن برجا التي ساهم في بناء كثير منها.

    رجل القرآن، وصاحب الهمم العالية

    رحمك الله

  2. السلام عليكم ارجو اضافة ان الشيخ محمد رمضان رحمه الله كان في آخر ايامه في مسجد عمر بن عبد العزيز في بيروت وكان ملازما للمسجد ويدرس فيه حلقات القرآن الكريم

  3. مصطفى الخطيب

    أظلّه الله يوم لا ظلّ إلا ظله, وأظلّنا تحت اكتاف الصالحين

  4. هل يمكن ان تزودونا بتسجيلات لصوته ؟
    …………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………… رد من موقع برجا : هناك تسجيلات بصوته في إذاعة القرآن الكريم بدار الفتوى , تطلب على الرقم1795700 .

  5. عذرا وللتصحيح ان استاذنا وشيخنا الحاج محمد رمضان مدفون بجوار الامام الاوزاعي وليس كما ورد في مقبرة الشهداء

  6. إدارة الموقع

    لو كلفت نفسك ياشيخ وقرأت النص ماكنت أبديت هذه الملاحظة ! لمَ لاتقرأ ياشيخ

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *