قل كلمتك

الأعياد الدخيلة

كتب الأستاذ ربيع كمال دمج : إن تعريف العيد في اللغة هو اسمٌ لما يعود من الإجتماع على وجه معتاد ، إما بعود السنة أو الشهر أو الإسبوع أو نحو ذلك . وقد عرفت منطقتنا عبر التاريخ الكثير من الأعياد ، فخلال المرحلة الوثنية كانت كل قبيلة تتخذ آلهة لها ، وتحتفل بها في يوم محدد من كل عام ، إلى أن جاء الإسلام وحدّد لنا عيدين هما : عيد الفطر وعيد الأضحى . وفي هذه الأيام نلحظ الكثير من الأعياد المنتشرة في بلاد المسلمين ، منها أعياد تتخذ الطابع الوطني كعيد الإستقلال وعيد الثورة وعيد العلم إلى ما هنالك من هذه الأعياد . وهناك أعياد أخرى يمكن أن نطلق عليها الأعياد المستوردة ، حيث بلغنا مستوى من التبعية جعلنا نأخذ كل ما يأتي من الغرب دونما أي سؤال وننظر فقط إلى اسمه الرنّان ونعمد إلى الإحتفال به ، معتبرين أن هذه الأعياد نوع من أنواع التطور والتقدم .

فبعد أيام يطل علينا ما يسمى بعيد الحب أو بالأحرى عيد القديس فالنتاين الذي غزا مجتمعاتنا منذ فترة ليست بالبعيدة ، وسرعان ما أصبح حدثا ً ينتظره الآلاف من الشبان والشابات ليتبادلوا الهدايا والرسائل سواء بصورة شرعية أو غير شرعية .

وقد ينشب خلافات إذا ما نسي أحد الخطاب هذا اليوم ، والأغلبية الساحقة من هؤلاء المحتفلين لا يعرفون حقيقة هذا العيد ، وهو أنه عيد روماني ، بدأ الاحتفال به قبل ميلاد المسيح عيسى ابن مريم عليه السلام في منتصف شهر شباط من كل عام ، وهو كان بمثابة الاحتفال بعيد إله الحب .

أما نسبة هذا العيد إلى القديس فالنتاين فتعود إلى أنه في أواخر القرن الثالث الميلادي لاحظ أحد أباطرة الرومان أن العزّاب هم أشد صبرا ً في الحرب من المتزوجين ، فأصدر قراراً يمنع بموجبه عقد أي قران ، لكن القديس فالنتاين كان يقوم بعقد الزواج سراً حتى اكتشف الأمبراطور أمره ، وأمر بسجنه ، ولذلك أصبح يُعرف هذا العيد باسم ” السان فالنتاين ” وهو في الأساس عيد وثني قائم على الشرك بالله .

وما نكاد نتخلص من مظاهر هذا العيد حتى يطل علينا عيد آخر من الأعياد الدخيلة على مجتمعاتنا وعادتنا ، ألا وهو عيد الأم . وهذا العيد هو عبارة عن فكرة تجارية بحتة بدأت في الدول الغربية ، حيث إن الأبناء لا يهتمون بذويهم وقد لا يرونهم لفترات طويلة تمتد لعدة أشهر أو أكثر ، لذلك تم اختلاق هذا العيد لكي يتذكروا أمهاتهم في يوم محدد من العام .

أما إذا نظرنا إلى التعاليم الإسلامية فنجدها أنها تحثنا على أن نتخذ كل يوم من أيام السنة كعيد للأم ، واجبنا فيه أن نتقرّب منها ، ونطمئن عليها ، ولا نتقيد فقط بيوم الحادي والعشرين من آذار كعيد وننساها طوال العام  ، كما هو سائد في بلاد المنشأ لهذا العيد . لذلك نجد أن الموقف الشرعي من عيد الأم هو : أن الإسلام غني عما ابتدعه الآخرون ، سواء عيد الأم أو غيره ، وفي تشريعاته من البر بالأمهات ما يُغني عن عيد الأم المبتدع .

ويكفينا أن ننظر إلى الآية الثالثة والعشرين من سورة الإسراء { وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً } لنجد هذه القيمة والرعاية الخاصة الذي شرعها رب العالمين للوالدين في مجتمعاتنا الإسلامية .

ولو نظرنا إلى المجتمعات الغربية حيث نشأت هذه البدعة ( عيد الأم ) لوجدنا أن معظم الأمهات والآباء يقضون بقية حياتهم بعد سن التقاعد في مأوى للعجزة لا يرون أبناءهم إلا في أيام معدودات من السنة .

لذلك أتمنى أن لا نكون ممن ينطبق عليهم حديث المصطفى عليه الصلاة والسلام : ” لتتبعن سَنن من قبلكم شبراً بشبرٍ وذراعاً بذراعٍ ، حتى لو سلكوا جحر ضبٍّ لسلكتموه ، قلنا : يا رسول الله هم اليهود والنصارى ؟ قال : فمن !؟ ” ، وأن نعمد إلى أن ننتقي الصالح من كل ثقافة وحضارة ونبتعد كل البعد عن ما هو طالح وهذا ما نجده في الحديث الشريف : ” الحكمة ضالة المؤمن ، فحيث وجدها فهو أحق بها ” .

مقالات ذات صلة

‫4 تعليقات

  1. لكل شخص عالم يعيش فيه..

    وكل من يرى العالم من خلال عينيه..

    والرسول يقول” سيأتي يوما” على أمتي القابض فيه على دينه كالقابض على جمرة”..

    إن كان للحب عيد فعيدي حين اكون راضيا” عن نفسي..

  2. جزاك الله كل خير
    وجعل ذلك في ميزان حسناتك
    أشكرك على هذه الكتابات النيّرة والتي تغيب عن الكثيرين في بلدتنا الطيبة
    ندعو الله أن يجعلنا جميعاً ممّن يستمعون القول فيتبعون أحسنه
    والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى