وجوهٌ من بلدتي

فاروق سعد الكاتب كان رسّاماً في الظلّ

كتب الأستاذ فيصل سلطان : خسرت الحركة التشكيلية في لبنان فاروق سعد ، وجهاً من وجوه الباحثين والمشغوفين بالفن والفنانين . في ما يأتي ، قراءة لسيرته فناناً مجهولاً عاش في الظل على رغم حضوره الأكاديمي والثقافي.

منذ سنوات تشغلني فكرة اهتمام الأدباء والشعراء بالرسم . فقد وجدت صلة سرية تربط بين عدد كبير من هؤلاء بمجريات الفن وآفاقه . ازداد اقتناعي هذا بعدما اكتشفت رسوماً لأمين الريحاني وميخائيل نعيمه وشارل قرم وجورج شحاده وأخيراً أدونيس . وتساءلت عن أسباب تلك المزاولة السرية للفن ، وكانت أسئلتي تقودني إلى متاهات خاطفة من دون يقين ، إلى أن اكتشفت قبل سنوات من رحيل الكاتب والمحامي والزميل الدكتور فاروق سعد (1938- 2010) مجموعة من لوحات الوجوه والتجارب التجريدية والرمزية ، تحوطها حصون من العزلة ، تكشف عن الوجه الآخر لأديب وباحث وأستاذ جامعي وصديق حميم للفنانين.
حاولت أن أخطو خطوة صوب حلّ هذا اللغز . وتساءلت لماذا أخفى فاروق سعد موهبته في الرسم والتلوين برغم كشوفاته العميقة التي أظهرها في كتبه ودراساته عن فنانين رافق تحولات تجاربهم ، من مثل رشيد وهبي والفرد بخاش وجوليانا ساروفيم ورضوان الشهّال وسواهم من الفنانين اللبنانيين والعرب ؟
رحت أتأمل اللوحات كمن يتجول في صفحات الوجوه والأيام والسنين . وأتمعن في حكاية المحامي والأديب كرسام لا يذكر اسمه أحد .

رسام واقعي ورومنطيقي وكاريكاتوري ساخر، من مزاياه الدقة في التصوير الواقعي والشهية الهائلة لقطف القيم التشكيلية ، ومحاكاة ريشته لروائع الأعمال الخالدة التي ألبسها حلة جديدة من إسقاطات أفكاره وتخيلاته . على سبيل المثال الجوكوندا لدافنشي وفينوس لبوتيتشللي ومراهقات رينوار ولوحة الحرية لدولاكروا ونساء غويا وغوغان.
رحت أتأمل لوحات فاروق سعد محاولاً جمع شتات حكايته مع الفن لإخراجها من عتبة الصمت والعزلة، فوجدت أن أكثر مراحله اللونية جرأة تلك التي تعود إلى بداياته في رسم الأشكال ، خلال مرحلة الفتوة والدراسة في كلية المقاصد في بيروت ، حين كان الرسم في تجاربه الأولى متعته الحرة التي غذّتها اهتمامات أساتذته في الفن ( محمد قاسم عيتاني ومنير عيدو ) مما جعله أكثر انجرافاً نحو دراسة التقاليد الفنية ، وخصوصاً بعد انتسابه إلى الأكاديمية اللبنانية (الألبا) في أواخر الخمسينات من القرن الماضي ، لتنمية موهبته إلى جانب دراسته القانون في كلية الحقوق.
كان الفن التشكيلي يسري كنور في عروقه ويحلّق في ملاعب حياته ، في الفترة التي تتلمذ فيها داخل محترفي قيصر الجميل وفرناندو مانيتي في الأكاديمية ، ما بين 1959 و 1961 ، إلاّ أن هذا المزاج المفعم بالألوان سرعان ما انقطع نتيجة الظروف القاهرة التي فرضتها أعباء دراسة الحقوق وصعوباتها ، مما اضطره إلى ترك عتبات الدراسة في الأكاديمية عام 1961 .

وكمن يطوي صفحة من الآمال والتهيؤات ، انتقل فاروق سعد من قوانين علم الألوان والمنظور والتأليف الجمالي إلى قوانين الحياة وتقاليد الدفاع عن مقومات الحقيقة والعدالة.
لم يخف هواجسه الفنية بعد تخرّجه في كلية الحقوق في الجامعة اللبنانية ومزاولته مهنة المحاماة متابعاً خلالها دراسته في الآداب . من بواكير مؤلفاته كتاب ” من وحي ألف ليلة وليلة ” تناول فيه أثر الليالي في الشعر والقصة والمسرح وأدب الأطفال والفنون التشكيلية والموسيقى والسينما والصحافة والإذاعة والتلفزيون . ثم أطروحته ” خيال الظل العربي ” التي نال بها الدكتوراه من جامعة القديس يوسف ، ليكشف بعدها عن توقه للفن عبر مقالات ودراسات ، في حين ان رسومه في تلك المرحلة بقيت في الظل.
ولع بالكتابة حول الفن خلال سنوات الدراسة في الأكاديمية وما كان يرافقها من حوارات جادة في  La Palette، مقهى الفنانين في مبنى اللعازارية ( وسط بيروت )، فكتب سيَر أصدقائه من الفنانين : رشيد وهبي وعبد الله الشهال ورضوان الشهال وألفرد بخاش وجوليانا ساروفيم .

لم يكتف بالكتابة عنهم بل رسمهم في لوحات بورتريه ، أبرزها صورة وجه جوليانا ساروفيم التي وضع لها رسوماً وصوراً شخصية عدة بألوان الاكليريك والحبر والألوان الطبيعية في مراحل مختلفة من حياتها.
لم يكن فاروق سعد يكشف عن سر ولعه بالرسم لأصدقائه من الفنانين إلاّ في لحظات حميمة ، وفي أحيان قليلة ونادرة كان ينشر بعض رسومه لتزيّن غُلف كتبه ككتاب ” ألف ليلة وليلة ” وكتابي ” طوق الحمامة ” لإبن حزم ، ” وحيّ بن يقظان ” لإبن طفيل اللذين حققهما وقدم لهما ، وكتابيه عن مي زيادة ” باقات من حدائق مي ” و” السر الموزع للآنسة مي ” وضمنهما رسوماً وصوراً شخصية عدة رسمها لنيتشه وطه حسين وتوفيق الحكيم ومي زيادة وجبران خليل جبران ، فضلاً عن كتابه عن تشارلي شابلن.
أفسح لي فاروق سعد قبل رحيله بسنوات إمكان إخراج لوحاته من ظلمة المجهول ، كي أكشف بدوري ولكن في غيابه عن أبعاد كتاباته عن السينما والمسرح والموسيقى والأدب التي تغلغلت في لوحاته ، كما لو أن خيالات الظل التي استغرق فيها وقتاً طويلاً قد أضحت حقيقة.  منقول عن جريدة النهار 27 / 10 / 2010 .

رحل فاروق سعد تاركاً حوالى 50 كتاباً

هذه الكتب لا بد أن يصادفها القارئ في مكتبته المنزلية أو في مكتبة عامة أو في لائحة مراجع تعتمدها مدارس وجامعات . صامت يترك لأعماله أن تتكلم ولم يندرج في علاقات تسويق يتقنها الأقل منه انتاجاً .

ثقافته مزيج من ثلاث : فرنسا ومصر ودائرة التراث العربي . وتجلى المزيج في كتبه ، ومنها : عن فلوبير في مصر وعن مي زيادة وعن كليلة ودمنة وعن خيال الظل ( لعل هذا الكتاب المرجع الأهم باللغة العربية في هذا النوع من العروض التراثية ) .

لن يحضر في معرض بيروت الدولي للكتاب بعد شهرين . شاهدته في المعرض الماضي في الكافتيريا ومن حوله أصدقاء قليلون . ستحضر كتبه ولن يندم قارئوها . يشبه رهبان الأدب القدماء إذ يعتني بمؤلفاته ، من الكلمة الأولى الى الغلاف ، محققاً تكامل المضمون والشكل .

لكنّ لفاروق سعد جانباً يستحق الالتفات اليه : اهتمامه ببلدته برجا ( في اقليم الخروب – لبنان ) من الناحية الثقافية ، فأصدر فيها مجلة ، أو لنقل جريدة ، مذكراً بتقاليد جرائد مراكز الأرياف ، كما اهتم بأعلام البلدة ، واعتنى خصوصاً بالمغني الراحل محمد مرعي المعروف بصوته القوي وظهوره في أفلام لبنانية ومصرية . عن جريدة الحياة 21 / 10 / 2010 .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى