برجا الآنمن جراب الأمس

العيد في ذاكرة برجا

كتب الأستاذ أحمد سليم عزام : الأعياد في برجا الشوف هادئة وبسيطة، إنها معاني محبة وإخلاص وهدوء وطمأنينة، إنها أعياد حلوة تجمعنا وتفرحنا . وها هي تباشير العيد تلوح في كل مكان.

الأولاد يتجمعون في الطرقات والساحات يصيحون بملء حناجرهم:

بكرا العيد منعيّد…. مندبح بقرة السيّد… والسيّد ما عندو بقرة… مندبح بقرة الشقرة… منتمرمغ بدمّها… ومنحرق أبو إمّها…

يفرح الأولاد بقدوم العيد، لأن العيد يسعدهم ويملأ جيوبهم.

في الأسبوع الذي يسبق العيد كانت الحركة تنشط في السوق، فتمتلىء المحال التجارية والدكاكين بالشوكولا والملبس والمعمول والنقل، وتظهر على البسطات والواجهات البالونات الملوّنة والزمامير والصفارات والدمى والعرائس واللعب المختلفة مثل البواريد وفرودة الفلين والطقيش والمفرقعات.

الأولاد ينتظرون العيد فيجتمعون ويتحدّثون عن الملابس الجديدة والأحذية وعن الخياطين والحذائين، ويترددون على دكاكين هؤلاء وبيوتهم يسألونهم عن موعد استلام الثياب التي يخيطونها لهم والأحذية التي أوصوهم عليها.

الحِنّة: من العادات التي كانت شائعة في الأعياد: “الحِنّة” للأولاد، فإذا كانت ليلة العيد، أحضرت الأم الحِنّة ومزجته بالمرم ليصبح عجينة خضراء اللون، ثم وضعت في كل كفّ من أْكف الأولاد كتلة صغيرة من هذا العجين، فيقبض الولد عليها بأصابعه ثم تُلفّ بخرقة وتُربط بخيط أو تُجعل داخل جورب (فردة كلسات).

وينام الأطفال ملء أجفانهم وهم يقبضون على الحنّاء، ويحلمون أحلاماً عيدية حلوة، حتى إذا طلع النهار، نزعت الأربطة ومعها كتل الحنّاء الجافّة، فيفرح الأولاد برؤية اكفّهم وأصابعهم المخضّبة بالصباغ الأحمر الداكن، فيغسلون أيديهم ويمسحونها بقليل من زيت الزيتون كي يزداد لونها لمعاناً وجاذبية.

هذا بالنسبة للبنات، أما الصبيان الكبار فإن الواحد منهم يحنّي خنصره فقط، وكان النساء يعتقدون بأن الحِنّة في العيد حلال، ويرددن المثل الدارج: (إلي ما عندا ولد، تحنّي الوتد).

الخياطات: كن يخطن الملابس النسائية والولاّدية إضافة إلى الملابس الرجالية العربية (السّراويل والمناتين والقمصان) وهؤلاء الخيّاطات هنّ: علياء يونس الدقدوقي (والدة محمد خضر البراج)، وحيدة محمد سعيفان (أم صادم الدقدوقي)، عريفة علي ترو (بف)، (أم جميل الدقدوقي)، عائشة سعيد الغوش (عيشة جراد)، فوزية البدوي غزيل (زوجة أمين المعوش).

الحذّائون أو الكندرجية: كانت حرفة (السكافة) منتشرة في جميع المناطق اللبنانية وفي برجا بالذات كانت مزدهرة وكانت تعرف عند العامة (بالصنعة). وأقدم الكندرجية عبد السلام السيد (المعروف بالمحترم) ودرويش حدادة المعروف بـ (درويش طافش) وسليم حسن الشمعة (سليم عيانة) وولده محمد سليم الشمعة وخالد حسن حوحو (الخلد) وأحمد محمد دمج (أحمد خديجة) وابنه توفيق (الدلعونة) ويوسف كامل الخطيب وابنه رياض، ابراهيم دمج (ابراهيم الحنجول). سعد الدين الضو . عبد الرحمن الشمعة (الشعّار) وأخوه علي الشمعة. أحمد درويش سعد، محمد سليم سيف الدين، وقد تعلّم الصنعة فيما بعد عدد من الشباب كانوا يشتغلون في مصانع الأحذية في بيروت.

صلاة العيد: صبيحة يوم العيد يتوجّه المصلون إلى جامع برجا الكبير، وبعد أداء الصلاة وسماع الخطبة، يهنيء المصلون بعضهم بعضاً، ثم يخروجون، وإذا بالرجال يملأون الزقزوق وساحة العين، ويتبادل الجميع التهنئة بالعيد ويتوجّهون إلى الجبانة لقراءة الفاتحة على أضرحة الأموات.

وما أن يعودوا من الجبانة حتى ينتشروا ويتفرّقوا كل لزيارة أقاربه أو أصدقائه لتقديم التهنئة بالعيد: كل عام وأنتم بخير، إن شاء الله ينعاد عليكم، عيد مبارك عليكم وعلى أولادكم، كل سنة وأنتم طيبين. كل سنة وإنتوا سالمين. هذه عبارات كنا نسمعها في الأعياد، لأن الأعياد كانت معاني محبة وإخلاص وتفاؤل وتعاون. هذه أعيادنا. كانت بسيطة وساذجة .

ساحة العيد: كانت بيادر حارة العين-ملعب مدرسة الصبيان ومدرسة البنات- الساحة الرئيسية التي تقام عليها الإحتفالات في أيام الأعياد.

قبل يوم العيد تنصب (الشقاليب) و (المراجيح) و (الجمزيقات) و (الدويخات) لتكون جاهزة للإستعمال صبيحة العيد.

عبد الوهاب الزعرت المعروف بـ (عبده الحاج) يملك (شقلبية) مشهورة، لا يزال الكبار يتذكرونها، ويقال: إن خضر الغوش – ورد- كان ينصب (جمزيقة) أي أرجوحة على البيادر .

وكانت إحتفالات العيد تقام أحياناً على بيدر (جامع الديماس) وبعد تصوين الملاعب توزعت ساحات العين بين الفسحة على طريق وادي قصب قرب بيت عبد العزيز رمضان وبين الأرض التي بني عليها مسجد الجيلاني، وكان نعيم (عبد القادر الشمعة) ينصب (دويخة) هناك.

إن للأعياد في ذاكرة الأولاد سعادة وفرحاً.

 أصوات تتعالى من هنا وهناك، أصوات الباعة ينادون على بضائعهم، وأولاد يصرخون ملء حناجرهم.

من أحد أركان الساحة، يعلو صوت خالد حدادة وهو ينادي: نمّورة بالعسل (بالعسل) حلّي سنونك يا ولد (أسنانك) ومن زاوية أخرى يصل صوت بائع القرمش: (قرمش. قرمش. لا بِعضّ ولا بخرمش) وتختلط هذه الأصوات بأصوات الأولاد وأهازيجهم وهم يرددون كلما صعدت بهم صناديق الشقلبية وكلما هبطت: (محلولين- طايشين- محلولين- طايشين). ولا ندري هل كانت هذه الكلمات من وضع الأولاد أم من وضع عبده الحاج. وهكذا تختلط أصوات الباعة بأصوات الأطفال وهم على مقاعد الدويخة ينشدون:

يا حاج محمد يويو أو ينشدون:

يا أولاد الكوشي يويو

قديش مصمّد    يويو  مصمّد مصرية        يويو

ملو الثمنية      يويو   ثمنية مين            يويو

عمي شاهين   يويو   شاهين ما مات      يويو

خلّف بنات       يويو   بنات العيد             يويو

تكبر وتزيد       يويو   دبوس حديد           يويو

ينخر بالأيد     يويو   دبوس ألماز            يويو

ينخر بالراس  يويو

ويكملون النشيد حتى ينتهي الدور وتقف الدويخة فيصرخون جميعاً بصوت واحد: هييييييييييـ.

وتنقضي أيام العيد، وتمضي مسرعة، بينما يتمنى الأولاد أن تطول أيامه وساعاته، لأنها أيام فرح وسعادة، وتتحق أمنية الأولاد، لأن الباعة وأصحاب الملاهي أبوا إلّا أن يزيدوا يوماً واحداً على أيام العيد، سمّوه “جحش العيد” في هذا اليوم ينفق الأولاد بسخاء على إشباع رغباتهم من المتع المباحة لهم، ويُسرّ الباعة وأصحاب الأراجيح، ويقولون للأولاد: يلا قرّبوا … يا ريت كل يوم عيد يا أولاد.

وجيوب الأولاد مليئة بالقروش اليضاء ينفقون منها في اليوم الأبيض كيف يشاؤون، ولا يحسبون حساباً لليوم الأسود، فشعارهم في هذا اليوم  “إصرف ما في الجيب يأتيك من في الغيب”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق