من جراب الأمس

المجاعة في جبل لبنان بين السلطنة والإستعمار

كتب الشيخ جمال بشاشة : ظل لبنان كسائر الأقطار العربية نحو خمسة قرون متوالية تحت سلطان الدولة العثمانية . خلال هذه الأجيال ، بينما كانت مواكب الحضارة تتزاحم في بلدان الغرب حثيثة الخطى في سبيل المدنية والتقدم ، على صعيد العلوم والفنون وعجائب الإختراع والإكتشافات ، كانت الأقطار العربية الخاضعة لولي الأمر العثماني سادرة يخيم عليها في الصعد ذاتها غطاء من التراخي والقعود .

كان العهد العثماني بالنسبة للتطور التاريخي  لبلدان شرقي المتوسط عهد إنحطاط إقتصادي وإجتماعي وثقافي وسياسي ، وكان نسيجاً من المظالم والخيانات والمجازر والحروب ما بين الباشوات والأمراء والعائلات الحاكمة المحلية .

إن تاريخ الباشوات حافل بالمآسي ، وقد دفع الإسلام ثمن هذه النقائص من حاضره ومستقبله ، دفعه في الداخل والخارج ، فبعد سبعة قرون من هلاك الخليفة العباسي ، كان هناك خليفة قزم من آل عثمان يطرد من منصبه بكل إحتقار ، وتراقصت جيوش الإحتلال فوق الأرض الذليلة .

صحيح أن سيل الهزائم التي أوقعها بنا التتار والصليبيون قد وقف ، وعادت كفتنا إلى الرجحان ، وتصدت العسكرية التركية لأعداء ما ينطفئ لحقدهم ضرام ، وصحيح أن الأتراك قمعوا هذا الغرور ، ومشوا إلى أصحابه يؤدبونهم ، غير أن الأتراك مع أنهم قاموا بدور عظيم  سرعان ما قلدوا العباسيين وغيرهم في الإستبداد السياسي ، والإستعلاء الجنسي في القرن الأخير من حياتهم ، وهكذا رأينا القدرة على القيادة التي تبرز في الرجال الأوائل ، تتلاشى في الأعقاب الوارثين .

بين عامي 1914-1918 كانت الدولة العثمانية في إرتعاشة الإحتضار ، والحرب العالمية الأولى تزداد كوارثها، والشعب اللبناني على آخر رمق ، والدماء تسيل على الأرض ، والدول تتطاحن ، والمدافع تقذف كراتها ، والمطامع تفعل فعلها ، والنفوس تتألم ، والجوع ضارب أطنابه في ربوعنا ، واليأس مستول على القلوب ، والناس في جزع ورعب ، والموت الذريع يفتك بالسكان إذ ذاك ملكَ مشاعر الناس هم تأمين الإعاشة، حتى تضاءلت لديهم سائر همومهم  .

ومما لا شك فيه أن لبنان عانى من ويلات الحرب العالمية الأولى وأهوالها الكثير . إذ سُدت طريق البحر ، فقلت البضائع وخلت الأسواق من ضروريات الحياة ، وإرتفعت الأسعار إرتفاعاً جنونياً ، وبرز شبح المجاعة المخيف في شتاء 1916 وتفاقم خطره في السنتين التاليتين ، فكانت البأساء والضراء شاغل الناس وعنوان الأيام ، وطالت معظم مناطق بلاد الشام بدرجات مختلفة ، وكان أشدها وقعاً في مقاطعات جبل لبنان .

ومع غياب الأرقام الرسمية الموثوقة حول تلك المأساة البشرية رافق تضخيم الأرقام إعطاء المجاعة وجهاً طائفياً وحيد الجانب ، وأغفل كثير من الأهداف البعيدة لإستراتجية الحصار الفرنسي – البريطاني المشترك على شرق البحر المتوسط ، فقد كان الفرنسيون والإنكليز يخططون للسيطرة على المشرق العربي منذ عقود طويلة ، وأثناء الحرب وضعت تلك المخططات موضع التطبيق العملي .

إن الحصار البحري وإغلاق المنافذ كان جزءاً من مخطط عام يقضي بتأليب الرأي العام داخل الولايات العثمانية ضد السلطنة من طريق التجويع والإفقار ، وساعدتها في ذلك السياسة العثمانية والألمانية والمتحالفة معها لتأمين حاجياتها وأمنها العسكري من طريق المصادرة ، وفرض السخرة ، وإعدام المشتبه بهم ، وفرض التجنيد الإجباري ، وفرض رقابة صارمة على الإنتاج الزراعي .

نتيجة لذلك وجد اللبنانيون أنفسهم خاضعين لحصار مزدوج ومطبق ، حصار داخلي مباشر فرضه الجيش العثماني ولاحقاً مع حليفه الألماني من جهة ، وحصار أوسع مدى لا يراه اللبنانيون لأنه يطاولهم مع محاصريهم ، فعاشوا حصاراً أليماً ، ودفعوا الثمن مضاعفاً من أرواحهم وأموالهم وأرزاقهم .

وبقدر ما كان الحصار الخارجي يضيق الخناق على العثمانيين كان هؤلاء يضيقون الخناق بدورهم على اللبنانيين . فكانت سياسة التجويع جزءاً من مخطط أوروبي مدروس لتفكيك السلطنة وإحتلال ما تبقى من ولاياتها العربية وتصوير هذا الإحتلال كعامل إنقاذ لسكان بلاد الشام من الإستبداد العثماني .

عن أهوال المجاعة وآثارها وما خلفته من مآس في جبل لبنان كتبت مراجع عديدة ، وروى شهود عيان ما حدث إبان تلك المحنة التي عصفت باللبنانيين ، وأنزلت بهم من المصائب والكوارث ما يجعل الولدان شيباً .

فقد أمسك الأغنياء على ما في أيديهم من المال فخف الشغل ، وكسدت الحرف وأقفلت أبواب البحر فانقطع الغوث من المهاجرين وخنق السوري واللبناني معاً ، وطغى الجراد في أول سنة من الحرب ، فأوقع الخراب واستنزف ما بقي في يد اللبناني من أسباب الحياة .

ولما فرغت يد اللبناني من وسائل أخذ يبيع كل ما عنده كي يشتري بثمنه خبزاً ، فباع أولاً أرضه ومقتناه ، ثم بيته وأثاثه ، باع ذلك بأبخس الأثمان ، فما كانت قيمته عشرين ألفاً ذهباً بيع بعشرين ليرة ورقاً .

على أن السعيد الموفق من وجد لأرضه مشترياً أو مسترهناً ، وهو يرضى بأن يستدين المئة بمئتين بل بثلاث بل بخمس بل بألف إلى سنة واحدة .

المعمرون في برجا يروون حكايات تلك السنين العجاف ، ويُجمعون على أن قريتهم لم تتأثر كثيراً بالمجاعة الكبرى التي فتكت بلبنان وشملت معظم قراه .

لم تخلُ برجا من القمح الذي كان يوفره لها ثلة من التجار الذين كانوا يحملونه على دوابهم عبر الأودية والهضاب من صيدا وفلسطين ويبيعونه في برجا ، وكان من أبرزهم أحمد الحاج محمد الزعرت وشقيقه خضر .

ولم تتوان النسوة عن تحمل مشاق تهريب الحنطة عبر السواقي من صيدا ، فقليلاً ما تعرّض الأتراك لهن ، أضف إلى ذلك ما كانت تختزنه برجا من الحبوب وبالأخص الحنطة التي انتشرت زراعتها في الحقول وحتى بين الصخور .

وتؤكد المصادر التاريخية أيضاً على تقديم السلطات العثمانية في بيروت ودمشق وغيرهما من بلاد الشام لوجبة عشاء يومية مجانية للجائعين طوال عدة أشهر في زمن المجاعة ، ودلت بعض الوثائق على أنها كانت تقدم يومياً لثلث سكان معظم المدن بما فيها دمشق وحلب وبيروت .

ولم يقتصر الأمر على المدن إذ أمر اسماعيل حقي بك متصرف لواء جبل لبنان بتوزيع إعاشات القمح في كل شهر على سكان إقليم الخروب .

وقد جعل مركز التوزيع الذي كان يجري بموجب بطاقات شخصية يصدق عليها مشايخ الصلح في القرى ، في وادي الزينة . ثم أمر بفتح الأفران في كل من شحيم وبرجا لتوزيع الخبز على الناس بإشراف مأمورين عينهم من خارج المنطقة .

وقد إلتزم توزيع الإعاشات الشيخ كامل الخطيب رئيس بلدية برجا آنذاك وتأمينها دورياً لمواطنيه خلال تلك الأزمة .

” ما جاع أحد في برجا ” . هذا ما حدّث به الأجداد ، وهذا ما يؤكده المعمرون . ولكن المآساة ألجأت الناس إلى سياسة التقشف الصارمة ، سلقوا الحشائش وتبلوها ، وخبزوا أواقي الحنطة والذرة كفاف يومهم ، وشاعت بينهم طبخة المدردرة بشعير .

هذا التقشف عند السواد الأعظم من الناس ، قابله إحتكار الغلال عند بعض الأغنياء وبيعهم المؤن بأفحش الأسعار ومبادلتها بالأراضي ، الأمر الذي صيّر بعض الأفراد ملاكين كباراً .

وقد ساعد أهالي برجا في تحمل المعاناة تجارتهم الرابحة في أنحاء بلاد الشام ، إذ كانوا يحملون منتوج الأنوال البرجاوية الذي كان رائجاً ومرغوباً يبيعونه في الأسواق والقرى والنجوع ، ومن ثم يعودون بالمال والمؤن التي تقيهم شر الجوع والخوف .

وفي الطريق إلى برجا عبر الساحل كان الناس الذين خارت قواهم من شدة ما عانوا من سوء المعيشة والجوع ، فانطرحوا على جوانب الشوارع يستنجدون بكلمات تفتت الأكباد . ويردد كبار السن في قريتنا عبارات كانت تدور على ألسنة هؤلاء الجياع : جيعان .. جيعان .. بدي آكل .

في هذه الأثناء إنتشرت الأمراض والأوبئة بشكل مخيف ، كان الذباب ينقل حمى التيفوئيد ، وكان القمل يحمل حمى التيفوس ، وقد ذكر لنا أن القمل إنتشر في بيوت متعددة بحارة العين وكان أشد المصائب أرجال الجراد التي غزت البلاد في نيسان سنة 1915 ، ظل الجراد يحجب نور الشمس أياماً عديدة فلم يُبقِ من الأخضر شيئاً .

وطفق البرجاويون في كرومهم وممتلكاتهم يلهجون بالدعاء إلى الله أن يبعث طير السمرمر على أسراب الجراد ، وهو المشهور بعدائه له حيث إن سرباً من هذا الطائر يبيد من الجراد الصغير ما يفوق عدده حد التصديق :

يا سْمُرْمُر قوم قوم                       الجراد تلاّ الكروم

حتى إذا أوى الناس إلى بيوتهم سدوا كل المنافذ عليهم خوفاً من أن يقتحمها الجراد .

بعد إن إنتهت الحرب عام 1918 قامت الإرساليات الأميركية في صيدا بعملية إحصاء للأضرار المادية والخسارة في الأرواح ، إذ تهدم 2500 مسكن في 182 قرية ، أما الخسارة في الأرواح فقاربت مئة ألف نسمة من أصل 450000 .

المراجع :

1- المحاور الخمسة للشيخ محمد الغزالي .

2- تاريخ لبنان لفيليب حتي .

3- تاريخ أقليم الخروب لمحمد الميسو الحجار .

4- ذكريات لا تنسى عن وقائع المجاعة الكبرى – مقالة لمسعود ضاهر في نوافذ جريدة المستقبل .

5- لقاءات ومقابلات مع معمرين في برجا .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *