من جراب الأمسوجوهٌ من بلدتي

أم شوقي… حين أطعمت برجا

كتب الشيخ جمال جميل بشاشة:

في حروب الإخوة وفي الوطن الواحد ماينتصر أحد. المنتصر الوحيد هو الموت.

عندما يفلت الناس من رابطة الوطن فهذا نذير شؤم وضياع.

عندما هوى الجبل، هوى معه الوطن.

كان العدو الصهيوني قد أعمل فيه كل أسلحة الفرقة والتأليب وبث الدسائس وتدبير المكائد… ويا للأسف فقد كانت أرضنا خصبة… صار اللبناني مهجراً في ذاته.

عندما انسحب من جبل لبنان في أيلول من العام 1983 زاد الخراب استفحالاً، أيام وشهور كانت الدماء فيه شرسة، شرهة بالقتل، دُمرت البيوت وعم الجنون فتهدمت قرى بكاملها ونزح ناس الجبل وتفرقوا في البلاد.

ليلة الثامن عشر من أيلول عام 1983، دُكت برجا بالقصف المدفعي وبكل حاراتها وأحيائها.  ليلة ما نامت فيها، حيث هرع الناس إلى الأقبية والبيوت المركوبة إحتماء بها وطلباً للنجاة.

طوفان القذائف مرّ عنيفاً، يرسل الحديد والنار في كل اتجاه، معلناً عن حقبة هوجاء شريرة من الفتن بين برجا وجوارها.

عندما طلع الصباح والقصف قد توقف، كانت قوافل الأهالي ترحل عن برجا، فالحرب قد بدأت وأرخت بظلالها على جبل لبنان، والنذر كلها تنبىء بأنها قد تطول، حاملة المآسي والدماء والدموع والعذاب.

إنا نكره الحرب ولا نريدها ولكن…

حوصرت برجا من كل نواحيها، وما كان لها من منفذ غير طريق مرج برجا الشمّيس والتي كانت عرضة للقنص من تلة بكشتين في أعالي الدبية، فشقت طريق عين الأسد المعنية التي كانت معبر برجا إلى أنحاء الجبل والبقاع.

حُصّنت “المحاور” في مرج برجا في وجه البرجين و “الدبشة وتل الزعتر” بين بعاصير وحارتها وفي “الفتيحات وقلعة بو حسين وجل البير والقاطع وزاروت والمنقب بوادي عمرين وقلعة بو عارف وعيشة العبد والمختار سعد” في وجه الجية، وتداعى الشباب إلى حمل السلاح للدفاع عن أرضهم وعرضهم… أقفلت الأسواق في برجا وأقفرت طرقاتها وميادينها وبقي الشباب المسلح وبعض النسوة والصبايا والرجال الذين لهم صلة بإدارة الأزمة والمساهمة في الصمود. تحولت برجا من بلدة تضج بالحياة إلى بلدة تعيش الحرب وويلاتها وتنتظر انقشاع أهوالها ويدها على الزناد، فقد تحولت برجا إلى إدارة الحرب.

في دار سعد الدين توفيق الدقدوقي “أبو شوقي” بحارة البيدر، كانت النخوة البرجاوية تتجلى في أبهى معانيها. هناك كان يستند المقاتلون على كتف عريض، يرفع عنهم ويمدهم بالطعام والغذاء كل يوم، فقد كان ” أبو شوقي” رجلاً مقداماً ما ترك عملاً في سبيل خدمة أهله إبان الحرب إلا وعمله، محارباً ومناضلاً في كثير من الميادين.

أنيسة أحمد الشمعة “أم شوقي” نذرت نفسها وسخرتها وبناتها السبع لمؤازرة المدافعين عنها البلدة، ففي الأزمات تبرز معادن الناس، فالواجب قد ناداها في محنة من أشد المحن والنكبات التي واجهتها برجا في تاريخها، وهو الحصار المضروب حولها والذي استمر من أيلول 1983 حتى آخر نيسان 1985.

تحول بيتها إلى “مطبخ الضيعة” الذي يطعم شبابها على الجبهات ويجهز لهم الوجبات ويمد الطاقم الطبي من أطباء وممرضين ومسعفين ومتطوعين بحاجاتهم اليومية.

كان همّ “أم شوقي” بلدتها وأهلها وشبابها، عملت طوال المدة تلك من غير أجر وبدون مقابل، وعندما كان يثقل عليها العمل ويتضاعف ويحتاج إلى أيد كثيرة كانت نساء الحارة في “دار ضايع” يسرعن إليها، فقد كانت تخبز “كيس طحين” كبير كل يوم بمعاونة السيدات نبيلة الشمعة وسعدى الغوش “نمره” وزينب سعيفان “لبيبة” ووفية الخطيب وسعدا حدادة “رشود” وغيرهن، حيث كن يسهرن لتحضير “الشوشبراك وكباب الراعي والسلق والملفوف”.

اليوم وبعد مضي ثلاثة وثلاثين عاماً على أفول تلك الأيام العجاف التي عاشتها برجا، هاهي “أم شوقي” وقد بلغت من العمر عتياً- من مواليد العام 1931- لا تتبرم ولا تشكو، بل تصف واقع الحال: “بعدهن ياليوم كتافي وإجرييّ بيوجعوني من تعب هاديك الإيام… بو شوقي فرطو ريّاتو لما تعطل معو البيك أب بطلعة المعنيّة إيام الحصار وصار يُنقل غراض التموين من صندوق يا صندوق… أني وولادي بِعْنا دهباياتنا لما سخن بو شوقي حتى يقدر يتحكّم… أني اليوم باخد 12 حبة دوا… عملت عملية القلب المفتوح من الفزع والتعب… بعدني زعلانه ع محبس إبني شوقي يلي بعناه يا يتحكّم بو شوقي… الحمد لله ولادي اليوم طامّيني بالمصاري وما عايزه حدا… لحنا يا إبني عشنا بشرفنا وناموسنا وكلو بإيد ألله… بو شوقي مات وما عاز حدن… بو شوقي عاش عزيز النفس”.

عن “برجا الجريدة” العدد الرابع تشرين الأول 2018

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *