وجوهٌ من بلدتي

الشيخ يوسف سليمان زين

آل زين في برجا هم أسرة المشايخ والمتصوّفة، وأصحاب الكتاتيب. جدّهم الأعلى سليمان، زوجته خديجة أحمد دمج. ابنه محمد كان مقدّماً للطريقة الشاذليّة، احترف الحياكة بإتقان وبراعة. يروى أنه حاك عبارة “لا إله إلاّ الله محمد رسول الله” على نوله بفخر واعتزاز، وكان له كُتَّاب يعلم فيه الصبية مبادىء القراءة والكتابة.

إضغط على الصورة لتكبيرها.. يتندّر المعمّرون في برجا بحادثة له مع فتيان الكتاب تقول: إنّ الشيخ محمد سليمان زين فَقَدَ غرضاً من حاجياته، فظنّ بثلاثة من الصبية في كتابه، فجمعهم وأعطى كل واحد منهم قصبة بنفس الطول والحجم، وخاطبهم قائلاً: من جاء إليّ في الغد، وقد طالت قصبته فلا ريب عندي أنّه السارق، الأمر الذي حدا بأشقاهم أن ” يُحفتر” قصبته، فجعل بسكينه ينقص منها، فأتى في اليوم الثاني إلى الشيخ الذي اكتشف أمره، فوعظه وأرشده ثم تعهّده في الطريق المستقيم.

وقد توفي الشيخ في قرية أم الفحم بفلسطين ودفن فيها. وقد تتبّع خطواته ابنه الشيخ خالد في الطريقة ونظم الشعر لحلقات الذكر.

شقيقه الشيخ يوسف سليمان زين (1862-1938) زوجته فاطمة يونس بوعلفا (1862-1960) كان أيضاً من حرفيي الحياكة البرجاويّة، ومن أوائل الذين فتحوا الكتاتيب لنشر العلم في برجا.

“هو الشيخ أبو علي يوسف زين. بيته على حافة ساحة عين برجا (العقاران 2586-2587) تعلوه عليّة مكسوّة بالقرميد الأحمر، إلى جانبه غرفة كبيرة هي أشبه بالقبو تصل إليها بدرج من الحجر، على مقربة منه غرفة واسعة مستطيلة جعلها الشيخ مدرسة -كُتّاباً- لتعليم الأولاد. وإلى الشرق من هذه الغرفة حديقة صغيرة تطلّ مباشرة على الساحة، وعندما تدخل الى هذه الغرفة يواجهك نول لحياكة الشراشف والمناشف يعمل فيه الشيخ نهاراً إلى جانب تعليم الأولاد طوال الأسبوع.

كان يدير المدرسة بحزم، يعلّم فيها الصغار علوم القرآن والقراءة العربيّة والحساب. كان كل تلميذ يشكّل صفّاً قائماً بذاته. وربما تعدّى ذلك الى اثنين فيقرآن الدرس معاً حيث يضعان كتبهما على طاولة صغيرة مستطيلة، لا يزيد ارتفاعها عن الخمسة عشر سنتمتر وكذلك عرضها، ولا تبعد عن نول الحياكة وعن يمين الشيخ كثيراً حتى يتمكّن من النظر إلى كتب التلاميذ وهم يسمّعون الدرس أمامه فيصحّح لهم الأخطاء، مشيراً إليها بواسطة سكّين طويلة دقيقة الرأس.

كان من عادة التلاميذ عند البدء بالقراءة أن يهزّوا رؤوسهم وصدورهم فوق الكتاب صعوداً وهبوطاً حتى إنتهاء الدرس، ثم يعطيهم الشيخ الملاحظات عن الدرس المقبل، ثم يستدعي آخر وهكذا.

كان من عادة الشيخ يوسف زين أن يستهلّ برنامج التدريس بقراءة القرآن الكريم ثم القراءة العربيّة، وبعد ذلك الحساب والخطّ العربي، كل هذا وهو يزاول مهنة الحياكة من شراشف ومناشف حتى العصر، ما عدا يومي الخميس والجمعة من كل أسبوع حيث العطلة الأسبوعيّة.

كان الشيخ يقسو على من يكثر الشغب والإنتقال من زاوية الى أخرى، حيث أعدّ ثلاثة قضبان: الطويل، ويطال زوايا الغرفة وصدرها، والوسطي، يطال وسط الغرفة، والقصير،وهو على بُعد قليل من النول.

بهذا لم يسلم من قضبانه الثلاثة أحد من المخلّين بأمن المدرسة، فإذا اضطر إلى مدّه،-بفلقة-لم يتأخّر.

في ساعة “حسن الخط” أو نسخ الدرس كان صوت الشيخ يوسف زين يعلو بدندنة ثم يتعالى بطرب محبّب تهفو إليه النفوس وتستكين لحلاوة المعنى والصوت الرخيم، فقد كان الشيخ من شعراء الشاذليّة، فأخلص لها حتى رقّّّي إلى رتبة مقدم في برجا، فأدار أبراج الذكر، وتلا الوظيفة الشاذليّة، وتعاطف مع أفرادها الفقراء، حتى كان شعره على ألسنتهم يصدحون به في حلقات الذكر ليلتي الجمعة والاثنين.

كان على ثقة واتصال مع مشايخ الطريقة: الشيخ علي نور الدين اليشرطي الحسيني، ثم الشيخ إبراهيم اليشرطي الحسيني، الذي وقع نفور بينه وبين الشيخ زين… وبعد أن خرج شيخنا من حدود قضاء عكّا ووصل إلى تخوم لبنان أُُلهم العودة إلى عكّا وهو يتلو أنشودته الدينيّة في الزاوية أمام الشيخ والأخوان-الفقراء- وفي مطلعها:

يا حبي واصلني          وانظر مريدك

واجعلني عبداً             يخدم عبيدك

كان من عادة شيخنا يوسف أن يذهب عصر كل يوم إلى محلّة كرم الشيخ يوسف، وهي ربوة عالية مشرفة على البحر وعلى ما حولها، فيجلس هناك وينظم الأناشيد والإبتهالات الصوفيّة التي اشتهر بها، وكلّها تقرب إلى الله ومدح لرسول الله حتى انتشرت قصائده بين صفوف أتباع الطريقة في الشرق حيث كانوا عندما ينشدونها يتمايلون مأخوذين برقصة تدعى الدروشة، وكانت محبّبة إليهم كثيراً.

كان يقال عنه: إنّه مكشوف عن بصيرته. وها هو يتقلّب على فراش الموت رافعاً سبابته يهزّها يمنة ويسرة جاحظاً عينيه ويقول بصوت متهدّج: “إنّي لن أورث، إنّي لن أورث، إنّي لن أورث” *

من نظمه مرحّباً بالشيخ محمّد الهادي اليشرطي الذي زار برجا سنة 1932 ميلاديّة:

بشرى لنا، بشرى لنا                      باليشرطي  إمامنا

 اليوم  يوم  الفرح                          يوم  العطا  والمنح

 يا  خلّ  طب  وانشرح                   فلنا  الهنا،  فلنا الهنا

 طلب شموس المغرب                   بجمال حسن معجب

 يا قوم صلّوا على النبي                 صار الحبيب بحيّنا

شرّفت يا هادي الورى                  وشبيه حسنك لا يرى

وظهرت في أم القرى                   عكّا، بها آمالنا

يا سادتي تشريفكم                       أوطاننا من لطفكم

فرضاً علينا حبّكم                        فخراً لنا، فخراً لنا

أهلاً وسهلاً بالحبيب                    ومن لنا فيه نصيب

فمن أتاه لا يخيب                       ومن هو كفو لنا


* فؤاد عاطف سعد: الرجل الزاهد، برجا التراث، العدد الثاني.

الوسوم

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *