برجا الآنمن جراب الأمس

مذكرات مراهق

كتب الأستاذ عوني محمود الطحش : لا أحمل من أيام الطفولة الكثير من الذكريات الجميلة بالمقارنة مع المعاني الجميلة للحياة التي بدأت أتذوقها منذ عهد قريب ، قبل ستة أعوام بالتحديد .

أما الطفولة فيجب أن أفرد لها مقالة خاصة ، وأما أيام المراهقة فجئت أتحدث عنها اليوم .

إن الهدف من كتابتي عن أيام المراهقة هو حبّي للكتابة بالمقام الأول ، كونها نوعاً من العلاج النفسي الذاتي (كما يقول فرويد) .

ثم إنني أريد من كل من يعرفني أن يطلع على لمحة من الماضي الذي عشته ، فأنا في نهاية المطاف شاب تكوّنت شخصيته نتيجة تجارب الأيام التي عشتها .

هناك أحداث كثيرة مضى عليها زمن طويل ولم يعرف عنها أحد شيئاً ، ولربما البوح بها الآن مناسب ، خاصة وأنها أصبحت مجرّد ذكريات انقطع تأثيرها على الحاضر كليّا .

أحداث أخرى لا تقل أهمية عن التي سأسردها ستبقى محفوظة في مقبرة الذكريات – دماغي – إلى حين يأتي الوقت المناسب للحديث عنها ، وقد لا يأتي .

تلميذ مراهق

حدث ذلك قبل سنوات ، كان العام الدراسي الأخير في المدرسة قد بدأ ، وكنتُ في حالة نفسيّة يرثى لها ، وكنتُ أظهر أمام أصدقائي بمنظر لا يعكس حقيقة ما يجري في داخلي .

كان مدرّس مادة الإجتماع الرجل الوحيد الذي يتحاور مع تلامذته ، وكانت تظهر عليه ملامح الوقار ، فقال لنا مرّة : إذا كان أحدكم يود أن يقصّ عليّ مشاكله فسأكون سعيداً لسماع ما يقول وسأعينه على حلها .

ذهبتُ إليه وتحدّثتُ إليه سرّاً بأنني سأكتب له مشكلتي على ورقة وسأعطيه إياها في اليوم التالي ، فرحّب بالفكرة .

رحت إلى البيت وشرعتُ أكتب على ورقة بيضاء ملخّصاً عن سيرة حياتي ، فاستهلّيتُ الحديث بنظرة عامة عن أيام طفولتي وما تخلّلها من مشاكل عائلية ، ثم شرحتُ له طباعي وأشياء من الحياة اليومية تقضّ عليّ مضجعي .

وأذكر أنني تلقيت منه إجابة مكتوبة – الأمر الذي فاجأني – ذكر فيها نصائح عامة كنتُ في قرارة نفسي أعرفها .

صليب على رقبتي

تدور أحداث هذه القصة في السنة نفسها (سنة الذروة والجنون) حيث كنتُ أحب أن أقترف أشياء تجعلني أثور وأنتفض على الحيطان التي كانت تخنقني وتحبس عنّي أوكسجين الحياة .

حصلتُ على صليب فلبستُه على رقبتي بشكل مخفيّ وذهبتُ إلى المدرسة , ولما خلعته لم يكن أحد قد رآه ولم يدر بتلك الحادثة إلا أنتم ، الآن !

كنتُ أظن أن التلامذة لو رأوني بهذا المنظر سيُعجبون بجرأتي ، رغم أن الأمر ليس له أي علاقة بالدين ، ولكن شيئاً من هذا لم يحدث .

الحب الوهمي

ومضت الأيام ، كان قلبي فارغاً ، وأنا معرّض في أي وقت لإقتراف الحماقات ، وإن كنتُ أظهر في كثير من الأحيان بمظهر المنضبط العقلاني بين أصدقائي.

كانت الفتيات في مدرستي المختلطة تحوم في فكري دائماً ، وقد صودف أن وقعتُ في  “حب ” العديد منهنّ ، ولربّما كانت بيننا أحاديث كثيرة ، لكنني لم أتجرأ أن أصارح إحداهن بشيء .

كنت فقط أبني القصور والأبراج في مخيّلتي .

عواصف التغيير

حدث أن عدتُ يوماً في تلك السنة من المدرسة ففتحتُ درفة خزانتي وأخرجتُ منها سجادة الصلاة ، ومنذ حينها قررت أن أكون شخصاً آخر .

هكذا ببساطة حدث التغيير ، بكل هدوء ودون الكثير من التردد ، ودون أن يكون ذلك ناتجاً عن حدث كبير استدعى هذا الفعل منّي .

ما حدث بعد ذلك كان مجرّد مصادفات غريبة ، لكنني الآن عندما أستعيد شريط السنين الماضية أتيقّن أن كل شيء كان مخططاً له ، فالعناية الإلهية ليست ببعيدة عن حياة كل إنسان ، لكن أحياناً نتأخر في اكتشاف دورها في حياتنا اليومية .

سنين الجامعة

التغيير لا يكون بين يوم وليلة ، لذا مررت بالكثير من التحولات الفكرية ( وبالتالي الشخصية ) خاصة أيام الجامعة ، إلا أن واحدة من المشاكل التي كانت تؤرقني ظلت تلازمني – الخجل غير المبرر .

وتعرّفت على صديق كان الشاب الوحيد في الصف , وكانت تربطنا أشياء عديدة ، رغم الاختلافات الكثيرة فيما بيننا .

وعندما عرفتُ أنه يتعاطى الأدوية العصبية طلبت منه أن يدلني على الطبيب الذي كان يتداوى عنده . وذهبتُ وإياه إلى الطبيب فوصف لي بعد لقاء دام أقل من 5 دقائق دواء قائلاً : خذ حبة كل يوم .

كنتُ حينها أتعمق أكثر في القراءة في مجالات كثيرة ، منها النفسية ، واتضح لي أن الدواء لا يمكن أن يكون العلاج لأي مشكلة نفسية ، وأنه لا يعدو عن مجرّد  “مساعد” على الحل .

وذهبتُ بعد سنة إلى طبيب ثان وصف لي دواء آخر يخفف من سرعة دقات القلب في حالات الضغط والإجهاد (stress) .

وبالرغم من أن الدواء ساعد على تخفيف وطأة مشكلة الخجل والإجهاد عليّ ، وبالرغم من أن الجرعات التي كنت أتناولها يمكن أن يتناولها أي إنسان لمواجهة مصاعب الحياة اليومية ، فقد قرّرت أن أتوقف عن تناول الدواء .

خلال فترة قصيرة كنتُ قد تخليّت عن الدواء كليّا ، ورأيتُ أنه من الضروري أن أعتمد من تلك اللحظة فصاعداً على إرادتي الشخصية لتخطي كل ما يواجهني من مشكلات .

أنا على يقين أن الكثير ممن يعرفونني اليوم قد يجدون صعوبة في ” تلقّي ” ما قلت آنفاً ، إلا أن ذلك شئتُ أم أبيت كان جزءاً من حياتي – جزءاً بسيطاً فقط .

 

مقالات ذات صلة

‫2 تعليقات

  1. جميلة مذكراتك أخي عوني والأجمل جرأتك التي لمسناها في قص تلك المذكرات، على أمل أن يكون المستقبل زاهراً ومليئ بالنجاحات

  2. أسأل الله عز وجل أن يلهم الكثير من شباب برجا المراهق للإقتضاء بك وعبور بحر المراهقة الهائج الى شاطئ الشباب الواعي والمسؤول والمنتج .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *