برجا الآنوجوهٌ من بلدتي

الكاتبه بسمة الخطيب : رواية برتقال مرّ إعتذار من أمّ عربيّة

888

كتب محمد خضر رمضان :

قلم رشيق يتجول فوق الصفحات .

لا شيء يوقفه ، يقفز فوق الحواجز والممنوعات ومايسمى (tabou) تحركه امرأة حرة بأفكارها ، صادقة بمشاعرها ، وذكية بأختيار الكلمات . ترسم مشهدية تجعل القارئ يرى ما يقرأه كأنه يشاهد فيلماً من أروع أفلام السينما العالمية بلغة ولهجة يعرفها ويألفها ، وشخصيات كأنها تعيش معنا ، ولكن في الواقع هي التي صنعت بعضها من الصفر كما قالت لي قبل أن أجري معها هذا الحوار :
بسمة الخطيب من أنت ؟ ولماذا برتقال مر ؟
أنا كاتبة من لبنان، أحببت الأدب منذ الطفولة، والدي شاعر ولديه مكتبة كبيرة فيها أمهات الكتب العربية، قرأت بنهم منذ سن مبكرة، وأحببت الآداب والفنون .

أعمل وأعيش في قطر منذ 9 سنوات، متزوجة ولي 3 أطفال .

درست الصحافة وعملت صحافية في الصحافة المكتوبة والتلفزيونية والإذاعية .

كتبت القصص القصيرة وبعض النصوص الشعرية وكتبت للأطفال، والآن تصدر روايتي الأولى  ( برتقال مرّ ) . والعنوان هو أحد مفاتيح الرواية، لأنّ هذا النوع من البرتقال المهدد بالتحول إلى شجرة برية مهملة لأن ثماره مرّة لا تؤكل ، أغرى البشر برائحة زهوره الفواحة فأبقوا عليه في بساتينهم ليصنعوا من زهوره ماء الزهر كما في بلادنا، في بلاد أخرى يستخدم لصناعة العطور، وهذه الشجرة القادرة على تحمّل درجات الحرارة المرتفعة إذ تعيش في العراق وبعض أماكن الخليج ناضلت كي تبقى وحوّلت المرارة إلى شيء حلو مثلما فعلت راوية الرواية وجدّتها.
 إستعملت لهجة محلية في الكتابة وعبارات جريئة ، ألا تخافين أن لا تصل إلى الجمهور الواسع والانتقاد وتتقوقع الرواية بالمحلية ؟
هناك قلق بسيط، ولكن لم يكن ممكناً أن أكتب الحوار بالفصحى، لم أتمكن من جعل امرأة ريفية أمّية تقول ” لماذا وعمت صباحاً ” ! الكلمات العامية التي استعملتها بسيطة، فإذا ما وردت كلمة صعبة شرحتها في ذيل الصفحات، وقد تعمّدت أرشفة عبارات ولهجة تلك القرية وشخصياتها لأنها جزء من هويتهم. وقد أثنى بعض النقاد على هذا التوثيق اللغوي.

ما هي نسبة الخيال في برتقال مر ونسبة الحقيقة ؟ وهل الكاتب يكتب جزء من سيرته الذاتية وسيرة من حوله ؟
الحكاية كلها خيالية، ولا يمكنني أن أخبرك أين الحقيقي منها، هناك أحداث حقيقية بالطبع ولكني عجنتها بالخيال ولم يعد ممكناً فصلها. وهذه ليست سيرتي أو سيرة أحد الذاتية، هذه رواية أدبية فقط.
كنا نرى مشهدية فيما تكتبين وكنا نشعر بكوميديا سوداء هل أنت في الحياة تملكين روح الدعابة ؟
يمكنك أن تسأل غيري إن كانوا يستلطفونني، لا أعرف. ولكني طالما كنت محاطة بأشخاص ظرفاء ولماحين وسريعي البديهة وحاضري النكتة، أولهم أبي وأعمامي، كما أن بلدتنا برجا مشهورة بهذه الخصلة الجميلة، وحين كتبت عن شخصيات أتخيلها تعيش فيها إستعرت نكات ومواقف طريفة وذكية حصلت حولي أو سمعتها من آخرين.

ماذا عن الشعر في مسيرتك الأدبية وأنت في هذه الرواية كنت تكتبين بشاعرية وهناك الكثير من الصور الشعرية ؟
أتفاعل بحساسية كبيرة مع الكلمات، مع إيقاع الجمل وإيقاع المقاطع والفصول أيضاً، أرتبها كأنها قطعة بصرية وصوتية. والدي شاعر وأجدادي كانوا خطباء وشعراء، ربما ورثت القليل عنهم، ولكن الحق أني لا ألبس ثوب الشاعرة وأنا أكتب الرواية، أنا أشعر بكل حرف وأنا أكتب، وكأني أكتب بلحمي وليس القلم.

الرواية مهداة إلى الناجية ، من هي ناجية ؟
ناجية هي جدّتي لأمي، منها اقتبست شخصية الجدّة في الرواية، ليست الجدة أم شبل هي جدّتي ناجية طبق الأصل ولكني استعرت منها بعض خطوط شخصيتها وحياتها الحافلة بالكفاح والمرارة.

كتبت اسمها في أول صفحة لأجل تكريمه، هي التي لم ينادها أحد بإسمها خلال عقود، فهي كانت تنادى ” أمّ عربية ” أو الحجّة. كما أحببت أن أعتذر منها لأنني لم أكن قربها حين رحلت بسبب غربتي . والغريب أني رأيتها في منامي يوم أتتني موافقة دار الآداب على طباعة الرواية، رأيتها تلوح لي وتبتسم، فرحانة من كل قلبها، كانت في سيارة، وأنا في طريق وسط البلدة، مرّت سعيدة ورحلت. شعرت أنها راضية عن روايتي وعني.

هل الكاتب يختار الموضوع والوقت للكتابة أم العكس ؟
الكاتب يختار من بين خيارات تفرض نفسها عليه، هناك مئات الأفكار تلاحقني في اليوم الواحد، نهاية النهار أختار واحداً منها، وبخصوص الوقت هو مسألة صعبة، فالكاتب لا يمكنه أن يعتمد على الكتابة فقط كمهنة وحيدة، عليه أن يعمل في مجال ما لأجل تحصيل الرزق، وهذا يضعه في تحدّيات تخصيص وقت للكتابة، وبالنسبة للكاتبة الأمّ التحدي مضاعف، فهي مرتبطة بأطفالها وبيتها، وبالتالي الوقت يحاصرها وهي في صراع دائم معه لتخطف ساعة أو أكثر للكتابة يومياً. الكاتب الرجل وضعه أسهل، حين يحين وقت الكتابة يدخل غرفته وينعزل فإن بكى طفل أو جاع آخر فإن هذا لا يخرجه من تلك الغرفة، بل يتابع الكتابة.

هل ما زالت رائحة الورق والحبر تجذب القارئ في عصر الانترنت ؟
القراءة بنفسها مهددة سواء عبر النت أو الكتب، في عالمنا العربي هي شيء نادر جداً. ولكن نعم، قريباً سيتراجع الكتاب الورقي أكثر وأكثر، عجلة الحياة تدور والتكنولوجيا تفرض علينا مجاراتها. المستقبل للكتاب الإلكتروني، من دون أن يموت الورقي، سيبقى ولكن بحضور مختلف.

 شعرت بقوة المشهدية عندك وكأنني أشاهد فيلما سينمائياً وأنت درست السيناريو وكتبت مسلسلات، فهل اتبعت تقنياته ؟
إستفدت من تقنيات السيناريو، ولكني كتبت رواية أولاً وأخيراً, رواية غنية بصرياً، وغير هذا حبكتها قوية وواضحة وفيها لعب بخط السرد وفلاش باك توتر وصراع بين الأمل واليأس، فيها بطل رئيسي تدور حوله الحكاية، وقصص فرعية، وفيها هدف على البطل أن يصل إليه ومعوقات كثيرة وضوء أمل بسيط ينير طريقه فجأة … بالطبع أفادتني الدراما فأنا أكتب رواية لها منطقها الخاص، أكتب حكاية جذابة أريد من القارئ أن يقرأها معي صفحة بعد صفحة ويصل معي إلى النهاية .
بسمة الخطيب في نهاية هذا الحوار الشيق هل تريدين توجيه كلمة أخيرة لأحد ؟

حين قدّمت أول قصة قصيرة كتبتها وأنا في مطلع العشرينات من عمري للنشر في مجلة الآداب، إتصل بي الدكتور سهيل إدريس، مؤسس المجلة ودار الآداب، وقال لي : يا بسمة أنت ستكونين كاتبة ناجحة وستكتبين رواية رائعة ستنشرها دار الآداب. كانت تلك شهادة ساحرة لكاتبة مبتدئة مثلي، وكان الدكتور سهيل معروفاً بنظرته الثاقبة ورؤيته الأدبية البعيدة، لذا طرت من الفرح وأخذت منه ثقة ودعماً بموهبتي. للأسف تأخرتُ حتى حقّقت توقعاته، فهو رحل عنا قبل سنوات، ولكن أسرته تكمل عنه المشوار الأدبي الكبير الذي بدأه، رنا ورائدة وسماح وأمهم الرائعة عائدة يلعبون دوراً مهمّاً في رسم خريطة الرواية العربية، وهذه فرصة لأشكرهم على الملأ، وأحيي روح الدكتور سهيل ادريس.

مقالات ذات صلة

‫5 تعليقات

  1. كاتب المقالة محمد خضر رمضان انت كاتب متقالق تنتقل بين الحروف والكلمات بخفة . اسألتك كانت واضحة محددة و هادفة، هذا ما كان يسمح للكاتبة المتالقة بسمة الخطيب( كاتبة رواية برتقال مر) من الاجابة باسلوب واضح وانيق.شكرا لكم ت

  2. لقد قرأت برتقال مرّ أكثر من مرة وفي كل مرة أكتشف شيء جديد ,فالاسلوب وطريقة السرد جعلتني مشدود من الصفحة الاولى الى الكلمة الاخيرة . ولم أشعر بملل ولم أنظر لعدد الصفحات المتبقية كعادتي , لاني لجوج في كل شيء وأملُّ بسرعة .
    ربما لاني عشقت البطلة كما قلت للسيدة بسمة عندما أجريت معها هذا اللقاء فضحكت كثيرا .
    باختصار برتقال مرّ رواية تستحق القراءة .
    شكرا سيدة بسمة الخطيب على هذه الرواية وهذا اللقاء …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *