من دفاتر الإغترابوجوهٌ من بلدتي

علي فايق البرجاوي… هوِّيات المنفى وقسمات الوطن

كتب سامر أبو هواش: قلة من اللبنانيين تعرف علي فائق البرجاوي  أو سمعوا باسمه. فالشاعر والفنان الذي توفي في منزله في 27 حزيران سنة 2000 في بولارين بضواحي باريس ، وهو أحد أولئك الذين فضلوا الإنكفاء والإبتعاد عن الأضواء، وإن ظلّ ناشطاً كتابة وشعراً ورسماً . من مواليد برجا الشوف في 18 شباط 1916 من أب لبناني هو القاضي توفيق البرجاوي وأم تركية الأصل، هي السيدة فخرية ابنة الشيخ عمر لطفي مفتي القدس زمن العثمانيين، وقد قدر له أن يعيش الهويتين، التركية واللبنانية.

منذ البداية درس في بيروت، قبل أن ينتقل مع عائلته إلى اسطنبول حيث تلقى تعليمه الثانوي والجامعي وتخصص بالآداب والفلسفة، ليعود إلى بيروت سنة 1954 ممارساً هواياته المعتادة، وكاتباً بالإنكليزية والفرنسية والتركية، قبل أن يغادرها تحت وطأة أحداث 1958 إلى فرنسا حيث أقام مذاك بصورة دائمة محترفاً الرسم والتصوير. لكن البرجاوي لم يغادر اسطنبول إلا بعد أن عاد منها بذكرى سوف ترافقه طوال حياته، وهي الصداقة التي جمعته بالشاعر التركي ناظم حكمت.

صداقة كان لها الأثر الحاسم في حياة البرجاوي شاباً، خصوصاً وأنه خاض وحكمت تجربة السجن لفترة قبل أن يطلق سراحه نظراً لصغر سنه .

ذكريات البرجاوي مع الشاعر التركي الثائر التي كانت حصيلة خمس سنوات أمضاها الشاعران معاً في سجن بروصة في تركيا (من سنة 1933 حتى سنة 1938)، كوّنت لاحقاً أحد أبرز أعمال البرجاوي التي نُشرت وتُرجمة إلى لغات عدة منها: الروسية والعربية قبل أن تُنشر بنصها التركي في اسطنبول سنة 1992 .

ومن بيروت فتركيا وصولاً إلى نيويورك التي أقام فيها ثلاث سنوات، ومروراً بفلسطين وانتهاء بفرنسا، تجربة طويلة لعلي البرجاوي كان له بصمته في كل واحدة منها.

ففي بيروت نشر مجموعته الشعرية الأولى باللغة الإنكليزية “لماذا” (1957 )، ليعود بعد ذلك، ويقيم عدداً من المعارض الفردية ويشارك في أخرى جماعية خلال السبعينيات والثمانينيات.

أما في تركيا، فبالإضافة إلى علاقته التاريخية بناظم حكمت كان اتصاله بعدد كبير من الكتّاب والشعراء الذين ترجم عدداً من أعمالهم. أما في فرنسا فكانت مرحلة الإستقرار “والمحترف” الذي صبّ فيه تجاربه كافة.

وعلى الرغم من هوياته، اللغوية والثقافية، المتعددة، ظل البرجاوي متعلقاً بهويته اللبنانية سواء من خلال زياراته التي لم تنقطع، سنة بعد أخرى، إلى بيروت، أو من خلال صداقاته التي أقامها مع عدد من الفنانين اللبنانين مثل عمر الأنسي ورشيد وهبي وصليبا الدويهي والفرد بخاش ورضوان الشهال وبول غيراغوسيان وأمين الباشا وغيرهم. أو من خلال محترفه/ منزله الذي تحوّل طوال ثلاثين سنة مقصداً للعديد من الطلاب اللبنانيين الذين كان يسدي البرجاوي إليهم النصح والإرشاد.

علي البرجاوي أحد أبرز البارزين ومن جيل المخضرمين الذين يلوحون لنا من بعيد ليس فقط لكي نتذكرهم وإنما لنكتشفهم أو نعيد إكتشافهم مرة بعد مرة.

من هو علي فايق البرجاوي؟ من مواليد برجا 16/2/1916، والده توفيق مواليد برجا 1883– 1918. عمل محققاً في الدولة العثمانية، توفي في الخامسة والثلاثين من عمره، تاركاً خمسة أولاد، عجزت أمهم التركية الأرملة، فخرية هانم عن إعالتهم، فهاجرت إلى تركيا.

وكان أولادها فؤاد وعاطف ومديحة قد بلغوا آنذاك ريعان الشباب.

جده الحاج علي البرجاوي من مواليد برجا حوالى 1863، متأهل من الحاجة مريم ترو مواليد برجا حوالى 1868.

تابع الرسام علي دراسته الثانوية والجامعية في بيروت واسطنبول ، بعد فوزه في مباريات مُنح على أثرها عدداً من المنح الدراسية، وكذلك فاز بمنحة الدراسات العليا في اسطنبول والولايات المتحدة الأميركية. وكان موضوع الرسالة عام 1937 “الإشتراكية في الإسلام”.

وأعد دراسة أخرى كان موضوعها “تاريخ الصراعات الإجتماعية في الإسلام”. نقل إلى تركيا مؤلفات روسو، وتشيخو وفوييه وغيرها من الكتب الإنكليزية والإلمانية.

في عام 1940 انخرط في الخلايا السرية لمحاربة النازية والفاشية في بلغاريا، وأُدخل السجن في تركيا حيث تعرّف على الشاعر التركي الثائر ناظم حكمت. ووضع كتاباً عنه طُبع في بيروت في دار ابن خلدون.

في عام 1947 زار بيروت لأول مرة في لباس قبطان البحر، كما أقام فترات من حياته في كل من إيطاليا وإلمانيا وفرنسا والإتحاد السوفياتي وأميركا، حيث أدار عدداً من فنادق نيويورك.

بعد وفاة زوجته التركية، التي تركت له ابنة اسمها لبنى، تزوج من فتاة فرنسية، وغادر تركيا ليقيم في لبنان.

لكن حوادث 1958 اضطرته للسفر إلى باريس مع زوجته، حيث بنى بيتاً وبقربه حديقة صغيرة في sceaux إحدى الضواحي الشهيرة جنوب باريس. وقد أنجبت له زوجته عمر (طبيب) فابيان (في سلك القضاء) وليلي (طبيبة).

برع الرسام علي البرجاوي بالرسم والخط والتصوير، وأقام عدة معارض في باريس وبيروت، قبيل 1958.

وفي اسطنبول وغيرها من المدن الأوروبية. ولا يزال عدد من لوحاته معروضاً في متحف النحت والتصوير في اسطنبول، ولدى الكثيرين من هواة الفن. وهناك العديد من لوحاته معروضة في متاحف دمشق وبغداد، ولدى الرئيس الفرنسي السابق جان شيراك.

وبفضل جدارته وموهبته، حظي الرسام علي البرجاوي بميداليات الإستحقاق الذهبية من الأكاديمية الفرنسية للثقافة، تلك التي تمنح لأولئك الذين يؤدون خدمات إلى المجموعة الإنسانية. وهو أول رسام أقام في فرنسا، معرضاً عن المأساة الفلسطينية ومجازر صبرا وشاتيلا.

وكان آخر معرض أقامه، في شباط 1989 في صالات مبنى الجامعة العربية في باريس. وكان يشده الحنين إلى بلدته برجا الشوف ويغمر قلبه الشوق إليها، وكان يتمنى الحصول على صور لمناظر طبيعية لها ليحيي ذكراها في لوحاته الفنية.

قالوا عن فنه: النائب والكاتب الفرنسي دافيد روسيل قال: “في لوحاته جذوة الحياة وصخبها وتناقضها ممتزجة بعذوبة بعيدة القرار”.

وقال عنه بيير روسي: “إنه حيز هام من السموات العلية، فيا له من ولاء جميل نحو الوطن السليب الضائع .فلنحب هذا الفن، فن الأمانة والوفاء”. وقال عنه جوزيف ساكر: “علي فايق البرجاوي: إنه منسّق ومهندس ألوان”.

عن “برجا الجريدة” العدد الثالث تموز 2018

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *