برجا الآنوجوهٌ من بلدتي

أبو كامل العّدان … على درب السفر

كتبت عبير المولى :  87 عاماً … في كل دولة عربية كان له فيها قصة وتجربة وذكرى , حملها في حقيبة سفر يسردها على أحفاده بعد مرور 70 عاماً عليها .

الذكريات لا تنتهي مدة صلاحيتها . كلما مرّ عليها الزمن كلما تعتّقت وأصبح لسماعها طعم وأصاله ونكهة عمر مرَّ وكأنه مرَّ بلمحة بصر .

يوسف شبو … أبو كامل … يوسف العدان … جدي … ما من أحد في برجا إلا ويعرفه … ما من أحد التقى به إلا وتمنى لو أنه يلتقي به مرة اخرى .. وليست برجا فقط من تعرفه ، فكل من عبر الحدود اللبنانية – السورية إلا وسمع بإسمه أو إختبر قصة معه …

 فعمله كسائق على خط لبنان – دمشق طيلة 50 عاماً كانت كفيلة بترك أثر طيب في نفس كل من عرفه والتقاه .. فقد كان كريماً لأقصى حدود الكرم ، صادقاً ، أميناً ، دافئ القلب واللسان ، مضيافاً ، مهاباً ومحترماً ….

وكم كنت أفخر عندما يسألني أحد عن إسمي , وبعدها حتى أزيدهم علماً أقول ” جدي أبو كامل شبو ” … فجدي إسمه أشهر من النار على عَلَم …

ويبدأ مشوار حياته عندما ….

كان بعمر الـ 18 عاماً عندما كانت أولى محطاته في رحلته الطويلة ” الكويت ” … قصص كثيرة مازال يذكرها ويدهشك سماعها بتفاصيلها ” الأسماء واليوم والتاريخ ” ، قصص كأنها حدثت معه البارحة ، يحكيها بحماسة وكأنها بالأمس كانت ، وكأنه لم يمرّ عليها أكثر من 70 سنة .

كان محبوباً أينما حل ، عندما يتكلم يتجمع حوله أصدقاء العمل ، فليس ” كل من حكى حكى , ولا كل من أخبر قصة أبدع “.

 أما أبو كامل عدا أنه برجاوي ( والبرجاوي معروف بتميزه بلهجته وطيبته وعفويته ومحبوب أينما حلّ ) ولكنه إضافة لكل ذلك ، فقد كان لديه طريقته الخاصة في سرد الأحداث ، ومصداقية في حَبْكِ القصة ، وأسلوب سلس وجاذب يجعل من يسمعه مشدود الإنتباه وكله آذان صاغية حتى يفرغ من الكلام .

خلال فترة عمله كان لا بد أن يكمل نصف دينه ، والمهمة هذه كانت بين يدي الأهل ، إختاروا له عروساً ، إبنة حسب ونسب من آل شبو أيضاً , تربطه بها قرابة عائلية ووالدتها من آل حمية ، وحيدة أهلها ولها أخ وحيد ، إنها ” درويشة شبو ” التي أصبحت زوجة له ، كانت اسماً على مسمى .

 أنجبت له 4 إناث و3 ذكور , وأعانته على تربيتهم أفضل تربية، وهو الغائب الحاضر، فعمله وسفره كان يحكم عليه أن يكون غائباً معظم الوقت ولكن الساعات القليلة التي كان يقضيها مع العائلة كانت تساوي الكثير وتعوّض على الأبناء والزوجة أيام وأشهر غيابه ، لأنه كان عطوفاً ، متسامحاً ، حنوناً ، لا يشتكي من تعب أو من ضجة أو متطلبات حياة .. كان إن قابله الغريب وطلب منه مساعدة يعطيه كل ما في جيبه فكيف مع القريب ومع أولاده ? .

 وقد إشتهر بجملة كان يرددها ” إصرف ما في الجيب يأتيك ما في الغيب ، أهم شي الصحة تمام والحمد الله ماشيين على إجرينا وجيبتنا مليانة والباقي على الله “…

  أما ” درويشة” فلم يمرّ يوم ورفضت له طلباً أو تأفّفت لسبب ، وكانت واسعة القلب والصدر .

أبواب بيتها مشرعة لكل من دق عليها ، للغريب قبل القريب ، كانت جداً مضيافة ، وكان زوجها كثيراً ما يدعو أناساً آتون من سفر ليبيتوا عنده ، لذلك فقد كانت الجملة الوحيدة التي تسمع منها وبكل طيبة خاطر” أهلا وسهلا فيكم، البيت بيتكم ” …

بعدها كانت المحطة الأهم وأكثر المحطات التي تركت في ذاكرته أثراً لا ينتسى .. كانت ” فلسطين ” …

 يقول: ” إن ذهبت اليوم إلى فلسطين فبإمكاني أن أتجول داخل أزقتها وطرقاتها فأنا أعرفها شبراً شبراً وطرقاتها لا تغيب عن مخيلتي .. ما زلت أذكر يوم ذهبت إلى الجامع الأقصى كنت أنظر ولا أشبع من النظر إليه … فلسطين عروس الدول العربية..”.

عاد من فلسطين بعدما بقي فيها لـ 5 سنوات .. عاد إلى وطنه وبدأ العمل بين لبنان ودمشق ، يأخذ ركاباً من بيروت إلى دمشق ، ويعود بآخرين من دمشق إلى بيروت وهكذا طيلة 50 عاماً …

وقد كُرّم في العام 2008 بمناسبة عيد العمال ، وأعطي وساماً تكريمياً كأفضل عامل …

رحلته كانت طويلة ليس بعدد سنواتها , بل بالقصص التي ميّزتها ، ففي كل بلد عاش قصة ،  وفي كل منطقة سمع حكاية ، وعلى حدود كل محطة حُفرت فيه ذكرى غريبة وذكريات كثيرة لا تنساها الذاكرة …

من نِعَم الله تعالى على عباده أن يهبهم ذاكرة قوية نشيطة بإمكانها أن تعود 70 عاماً وأن تتمكن من تذكّر حدث معين مع ذكر الأشخاص واليوم والسنة دون نسيان أية تفاصيل … وجدي كان ممن أنعم الله عليهم بهذه النعمة …

جدي…. كلما جلست معه كانت تمر أكثر من ساعة دون أن أشعر بمرورها ، ففي كل زيارة كانت هناك قصة جميلة غريبة من الزمن الماضي , يسردها بطريقته المنمقة والسلسة ، وكم كنت أتمنى لو أنني أسجّل ما يقول .

أكثر من مرّة قلت له : ” أود أن أجلس معك طيلة اليوم حتى تخبرني عن رحلة حياتك “،  ولكنني كنت أتراجع وأقول له : ” إن كتبت هذه القصص التي تحكيها سوف أفقدها جمالها الأفضل أن أسجلها بصوتك لأن ما من أحد يخبر القصة كما أنت تحكيها …”.

أبو كامل شبو … آخر محطة له في رحلته كانت ” محطة الألم ” … لطالما قلت له : ” جدي ، عِدْني أن تبقى بخير ، فما من أجداد لي غيرك “. وكان يجيبني : ” جدك بألف خير ، الحمدالله الصحة منيحة والعقل بألف خير ” …  ولكن شاء الله العليم والقدير أن يختار له محطة مُقدّر له أن يزورها ، فمنذ شهر وجدي في ” كوما ” بعدما أصابته جلطتان في الدماغ سبّبت له شللاً نصفياً وغيبوبة وفقدانا للنطق … كان الله في عونه …

 حتى اليوم لا أصدق أن جدي الذي كان قبل مرضه بأيام يزورنا ويطمئن ويترضّى علينا ويترك خلف خروجه من منزلنا دعابة أو قصة طريفة ، هو جدي الذي يقهره المرض اليوم ويتقاسم معه ذات السرير …

 اللهم خفف عنه ألمه وإرحمه يا أرحم الراحمين …

_________________________________________________

مقالات ذات صلة

‫2 تعليقات

  1. جدي.. لم اتخايل يوماً أن أراك على فراش المرض… كنت عطوما علينا ولا يوم مر منذ كنا اطفال وسمعنا منك كلمة قاسية ……. كنت دائما تترضى علينا وتقول “الله يرضى عليكم ويوفقكم” …….. أحبك جدي فأنت أعظم جد في الدنيا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *